الشيخ عبد الغني النابلسي

46

كتاب الوجود

الأولى حالة التجلي ، في الحالة الثانية حالة الاستتار ، ولكن البصر والبصيرة إما أن يزيغا عنه تعالى أو عن غيره ، وإما أن يهتديا إليه تعالى أو إلى غيره ، وجميع المخلوقات سواء في جهة الخلق والإبداع والتقدير ، وأحكامهم مختلفة في الشرائع والأحكام الإلهية . قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ( الرعد : 41 ) . وفي قصيدة الشيخ عمر بن الفارض رضي اللّه عنه التي في ديوانه قوله : ناب بدر التمام طيف محياك * لعيني في يقظتى مذ حكاكا فتراءت في سواك العين * بك قرت وما رأيت سواكا فإنه الحق تعالى إذا تجلى بصورة استترت الصورة ، وإذا استترت بصورة ظهرت الصورة ، فإذا تجلى بصورة العارف رآه العارف ولم ير الصورة ، مع أنه لم ير له الصورة ، وإذا استتر بصورة عن الغافل فإنه يرى الصورة ولا يراه سبحانه ، مع أنه رأينه وهذا من العجائب . ويظهر الحق فيرى ولا يرى ، ويبطن الحق فيرى ولا يرى ، وكل ذلك في حين واحد ، قال اللّه تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( سورة الأنعام : 110 ) « 1 » . وصل : اعلم أنه ليس هناك فيما يتحصل في ذوق العارفين غير الوجود الحق الواحد الأحد القديم ، الذي لا يتغير ولا يتبدل من الأزل إلى الأبد « 2 » ، وإنما يظهر

--> ( 1 ) قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : لما جحد المشركون ما أنزل اللّه لم تثبت قلوبهم على شيء ، وردت عن كل أمر . وقال مجاهد في قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ : ونحول بينهم وبين الإيمان ، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 157 ) ] . ( 2 ) سار المسلمون الأول دون مناقشة وجود اللّه ، إلى أن تسللت الفلسفة اليونانية كمكروب خبيث إلى الجو الإسلامي ، تسللت في عهد المأمون ، وتولى كبر هذا التسلل المأمون ، وشجعه على ذلك معتزلة عصره ، وقابل المؤمنون ذلك بكثير من النفور ، وحق لهم ذلك ؛ فما كان منطق الدين ولا منطق الفطرة السليمة يقضى بأن تكون راية العصمة راية الدين الإلهى مرفوعة على ربوع الأمة الإسلامية ، فنميل بها ونرفع راية أرسطو ، أو راية أبيقور . [ هامش لطائف المنن ( 55 ) ] .